تسارع خطى العالم نحو الرقمنة بفضل كوروناMenaItech

جاءت جائحة كورونا وما فرضته من إغلاقات شبه تامة لتقلّص الكثير من مجالات الحياة الطبيعية، لكنها بالمقابل وسعّت من مجالات التكنولوجيا الرقمية، وعجّلت في تحول العالم إلى عصر الرقمنة.

تُظهر الأرقام أن العالم قد قفز خمس سنوات إلى الأمام في تبني القطاعات الاقتصادية المختلفة والمستهلكين للأنظمة الرقمية أثناء جائحة كورونا، لقد حصل هذا التسارع في غضون شهرين فقط هما ابريل ومايو من العام 2020 إبان ذروة الإغلاقات التي تسبب بها الخوف من انتشار فيروس كورونا. 

 

القطاعات الاقتصادية وفيروس كورونا

أطلقت البنوك حملات توعية رقمية لعملائها باستخدام تطبيقاتها وإجراء كافة المعاملات والخدمات عن بُعد.

ركزت المدارس والجامعات على التعلم عن بُعد باستخدام مختلف التطبيقات وتم ذلك في الكثير من البلدان بنسبة 100٪. وبدأ الأطباء في تقديم المشورة الطبية عن بُعد.

لكن قطاع التجزئة وخصوصا محلات بيع الأغذية والمواد التموينية كانت أكثر القطاعات التي سرّعت أزمة كورونا من دخولها إلى النظام الإلكتروني على نحو ملفت، فخلال فترة الإغلاق لجأت العديد من المتاجر إلى حلول دفع مبتكرة لتمكينها من مواصلة العمل من خلال تقديم خدمة التوصيل إلى المنازل. وهذا يعني أن محلات البقالة والخضار والتي اعتادت في الغالب على التسوق التقليدي لزبائنها، وتلقي المدفوعات بشكل نقدي تحولت لتلقي المدفوعات إلكترونيا.

لقد وصل هذا القطاع بالذات دون غيره إلى ذروة تجاوزت 350% من المعاملات الرقمية، وبحسب تحليلات “ماكنزي وشركاؤه” فإن أكثر القطاعات لفتا للنظر هو قطاع البقالة في الولايات المتحدة فقد ارتفعت نسبة المستهلكين الذين تبنوا نموذجا رقميا للتعامل مع هذا القطاع إلى 61%، في حين أنهم قبل كورونا لم يزيدوا عن 30%.

لقد اتجه معظم الناس خلال فترة الإغلاقات إلى التسوق عبر الإنترنت والخدمات السحابية، مما رفع أسهم هذين القطاعين على نحو غير مسبوق وكانت القضمة الأكبر من كعكة التجارة الإلكترونية لصالح شركة “أمازون” التي حققت خلال أزمة كورونا 26% زيادة في مبيعاتها لتصل إلى 75.5 مليار دولار في الربع الثاني من عام 2020.

قد يقول قائل بأن تبنى الكثير من المستهلكين سلوكا رقميا هو أمر طبيعي واضطراري وناجم عن الإغلاقات، وأنه مع الفتح التدريجي أو انتهاء أزمة كورونا فإن المستهلكين سيعودون لسلوكهم الطبيعي، لكن المراقبين يقولون بأن كورونا أحدث تغييرات هيكلية في سلوك قطاعات الأعمال والعملاء على حدٍ سواء.

 

الدخول للعالم الرقمي لامتلاك ناصية المستقبل

إن الدخول للعالم الرقمي بات ميزة تنافسية بالنسبة للشركات التي ألزمت نفسها به، ولن تسمح لمنافسيها أن يسبقوها إليه لأن المتخلفين عن اللحاق بالركب الرقمي سيخرجون من المنافسة. وأما المستهلكين فقد وجدوا بأن حصولهم على الخدمات بضغطة زر هو أسهل بالتأكيد وأقل جهدا من الأسلوب التقليدي.

وتشير استطلاعات الرأي بأن 75% من الأشخاص الذين استخدموا القنوات الرقمية سيستمرون في استخدامها عندما تعود الأمور إلى الوضع الطبيعي.

بشكلٍ عام فإن العالم يُدار رقميًا قبل أزمة كورونا، بشكلٍ شبه كامل عبر الإنترنت، فلماذا لا تستمر هذه الوتيرة السريعة في الدخول إلى العالم الرقمي بشكل كامل.

إن الاقتراب الأكثر من العالم الرقمي يعني امتلاك ناصية المستقبل، وريادة الأعمال، ونذكر في هذا الصدد نموذجين من عالم الاتصالات والترفيه كانا هما الرابح الأكبر برغم تراجع الاقتصاد العالمي في ظل جائحة كورونا.

شركة “أبل” هي النموذج الأول فقد وصلت قيمتها السوقية في عام 2020 إلى تريليوني دولار في أعقاب مبيعات هائلة لنظام هاتف (أيفون) خلال انتشار وباء كورونا.

بقاء الناس في المنازل خدم بشكل كبير “منصة نتفليكس” التي كسبت خلال أزمة كورونا أكثر من عشرة ملايين مشترك في جميع أنحاء العالم، وهذا الازدهار ليس مفاجئا لأن خدمات العرض بحسب الطلب على الانترنت باتت هي الأكثر شعبية في السنوات الأخيرة، لكن أزمة كورونا هي التي سرّعت حسم خيار الاستمتاع بهذه الخدمة الترفيهية.

 

الموارد البشرية والتحول الرقمي

لاشك بأن الأزمة العالمية الناجمة عن انتشار فيروس كورونا دفعت نحو مزيد من الانخراط في عالم رقمي وسرّعت الاستفادة من الحلول والتطبيقات والخدمات الرقمية، لكن هذا بالتأكيد أثار مخاوف القوى العاملة من الاستغناء عن خدماتهم، وهنا يبرز دور الموارد البشرية في تحقيق التوازن بين حتمية التحول الرقمي وبين ما يمكن للقوى العاملة أن تفعله في مستقبل ما بعد كورونا بمعنى أن على الموارد البشرية جعل التحول التكنولوجي إنسانيًا.

إن على الموارد البشرية أن تصقل مهارات الموظفين للتكيف مع التحول الرقمي المتسارع والتأقلم مع العمل عن بُعد وتحقيق توازن جيد بين العمل والحياة. وعليها تقديم المشورة للقادة والعمل على ما يجب تغييره بشأن التحول الرقمي وكيفية إدارة الأداء عن بُعد. ورسم خطط قصيرة وطويلة المدى لبناء فعالية وكفاءة الأفراد والأعمال في الوقت نفسه والتخطيط لاستمرارية العمليات. ولا شك بأن التشريعات الحكومية ومساندة الدولة يخفف من الآثار الجانبية للتحول إلى عصر الرقمنة.

إن الدول المتقدمة قادرة على تبني التحول الرقمي واحتضان تسارعه، وقادرة على سد الثغرات وتلافي المشاكل الناجمة عنه، لكن منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد” ترى بأن الكثير من الدول ليست جاهزة للدخول في عالم رقمي(7). وأن أزمة كورونا كشفت عن فجوة واسعة بين الدول المتقدمة والنامية، وأن هناك مسافة شاسعة بينهما في تبني هذا العالم الجديد.