مستقبل الموارد البشرية في ظل الأتمتة والذكاء الاصطناعيMenaItech

“عندما يتوقف الإنسان عن تطوير ذاته ليواكب المستقبل، فإنه يصير قادراً فقط على الموت بجدارة”… عبارة تلخص قانون الكون الذي يمنح الحياة فقط لمن يسبقون حاضرهم باستقراء المستقبل والاستعداد له، وبغير ذلك سيحدث لهم الانقراض، وما أذكى الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي، الذي قرأ هذا القانون مبكراً في مفردات الكون فقال:

ومن لم يعانقْه شـوْقُ الحياة     تبخَّرَ في جوِّها واندثـرْ

وكما ينطبق هذا القانون الكوني على الأفراد، فإنه أكثر انطباقا على المنظمات والشركات مهما كانت صغيرة، وإن زمن التحولات الكبيرة والتطورات المتسارعة بمثابة موجات عالية إما أن تركبها المنظمات فتدفعها لجني النجاح والتفوق، أو أن تغرقها فتصبح في القعر.

الأتمتة مستقبل لإدارة الموارد البشرية

إن عصر الثورة الصناعية الرابعة وما يحمله لنا من تقنيات الأتمتة المتقدمة، والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية سيفرز الكثير من الرابحين والخاسرين في جميع قطاعات الأعمال وفي قلبها إدارة الموارد البشرية، وبالتالي فليس بمقدور القائمين على الموارد البشرية أن يعطوا ظهورهم لهذه التحديات والمخاطر لأنها تنطوي على الكثير من الفرص والأرباح المادية والمعنوية، ولهذا السبب فلا بديل عن الأتمتة كمستقبل لإدارة الموارد البشرية.

لنتجنب التفكير السلبي فيما تحمله الأتمتة بشكل عام من استغناء واسع عن العمالة البشرية ولنركز على ما تحمله الأتمتة ذاتها من فرص واعدة حتى في مجال وظائف جديدة للأيدي العاملة؛ فبحسب تقرير حديث من منظمة “مركز المدن”The Centre for Cities، وهي مؤسسة بحثية بريطانية مرموقة فإنه على الرغم من احتمال فقدان الوظائف، فستحدث زيادة شاملة فيها بحلول عام 2030، ويدلل التقرير على إمكانية حدوث ذلك بالقول بأنه قبل 15 عاماً فقط لم يكن في العالم وظائف مثل مديري وسائل التواصل الجديدة، ولم يكن هناك مطورو تطبيقات هواتف، والمقصود أن الأتمتة ستفرز قطاعات وأدوارًا جديدة غير موجودة في الوقت الحالي، وستنشئ وظائف جديدة لتحل محل الوظائف المفقودة.

ماذا ستضيف أتمتة الموارد البشرية؟

بعد هذه النظرة المتفائلة للمستقبل لنعد مرة أخرى إلى مستقبل إدارة عمليات الموارد البشرية في ظل الأتمتة التي تحمل فرصا هائلة لهذا القطاع، أهمها قيامها بأداء المهام الروتينية والمرهقة والتي لا تتطلب إبداعاً، وبالتالي تفريغ العقول لمزيد من التخطيط الاستراتيجي والإبداع، ومن فضول القول أن الأتمتة ستقوم بالأعمال المكتبية المختلفة بدقة وكفاءة، وستختصر خطوات إنجاز العمل وتعمل على تقليل التكلفة. وفي الوقت نفسه فإن الأتمتة ستظهر ضرورة التخصص الوظيفي، وضرورة تعلم مهارات لم تكن موجودة، وإعادة النظر في التوصيف والمهام الوظيفية لكل مهنة.  

إن المستقبل الذي يحمل المزيد من التحولات التكنولوجية التي يتداخل فيها العالم الحقيقي مع العالم الافتراضي، والذي نعيشه بشكل واضح اليوم في برمجيات الرسم والتصميم الهندسي، ونعيشه كأفراد في وسائل التواصل والتفاعل الاجتماعي والترفيه سينسحب أيضا على إدارة عمليات الموارد البشرية بعد عصر الأتمتة؛ إذ أنها ستعزز الاتصال الفعال والتواصل المثمر بين إدارات المنظمة المختلفة، وتسهّل تدفق المعلومات وتبادل الخبرات فيما بينها، واستثمارها في التخطيط الاستراتيجي، وستؤدي لرفع مستوى الشفافية والتقييم الفعال والاستفادة من التغذية الراجعة لتصويب المسار، وكل هذا سيعزز من الدور الحيوي الذي تلعبه الموارد البشرية ضمن المنظمات سواءً كانت خدمية تابعة للقطاعات الحكومية أو خاصة في قطاعات الأعمال المختلفة.

أتمتة الموارد البشرية فرصة تستحق الاستثمار

خلاصة القول أنه لن يسع أي منظمة إلا أن تأخذ بأتمتة قطاعاتها جميعا، لا سيما الموارد البشرية، وأن هذا التحديث ينطوي على فرص واعدة تستحق الاستثمار، وهو في الحقيقة استثمار في مهارات تعلم البشر، وتدريبهم، ورفع قدراتهم ليكونوا أذكى من الذكاء الاصطناعي نفسه.